أعتذر

بقلم وزير السياحة فادي عبّود – أشعر بحاجة اليوم للاعتذار من الكثيرين بعدما جرّدتنا صدمة التمديد للمجلس النيابي من آخر معاقل الديموقراطية، وبدلاً من أن نقدم للعالم افضل ممارسات الديموقراطية أصبحنا نجسّد ممارسات خطرة تبعدنا أكثر فأكثر عن الدولة ومفهومها.

لا أتقدم بالاعتذار انطلاقاً من ضعف او ندم، بل لتقويم الوضع وإطلاق إشارات الخطر، بأننا ننتحر، ونخترع سابقة لم تحصل حتى في عزّ اقصى الأزمات الأمنية.

أعتذر بداية من الشعب اللبناني، لقد أوهمناه حقيقة بأننا طبقة سياسية مسؤولة عن تقديم الافضل لهم كشعب عظيم يستحق ان يوصل رأيه الى صناديق الاقتراع، فإذا بنا نصادر هذا الرأي ونستأثر به ونوكل أنفسنا قيّمين على أصواتهم ورغباتهم. وإذا بنا نرتكب افظع ما يمكن ان يُرتكب، ممارسة لم نشهدها في أيّ نظام ديموقراطي في العالم وهو القبض على رأي الشعب.

اعتذر أيضاً من الشهيد الرئيس رفيق الحريري، لقد سمحنا لأنفسنا بعد استشهادك بأن نصرّ على إقامة الانتخابات في موعدها، على رغم ما كان يحتقن في البلد من مخاوف مذهبية. نعتذر لأنّ صاروخَيْ “غراد” وبعض الحوادث الأمنية المتفرّقة أثبتت بأنّ لها تأثيراً أكبر من استشهادك الذي احدث صدمة على مستوى المنطقة والعالم.

ففي حين سمحنا لأنفسنا بأن نسير بالانتخابات في حينها تحت شعار “دمّ الشهيد” من دون أن نأخذ في الاعتبار أيّ تداعيات أمنيّة، نقنع أنفسنا اليوم بأننا غير قادرين على إجراء الانتخابات لأسباب أمنيّة بحتة.

أعتذر من جميع المسؤولين الغربيين والأميركيين الذين أتحفونا خلال الاشهر الماضية بمواقف تشدّد على إجراء الانتخابات النيابية في موعدها، والتمسك بمبادئ لبنان الديموقراطية والدستورية، والتمسك بـ”الأطر القانونية” لها.

أعتذر منهم لأنّ صدمتهم الكبيرة منعتهم عن التعليق الآن او اتخاذ مواقف شاجبة ومستنكِرة لهذا التمديد الذي كان من افظع ما يمكن ان يحدث. أعتذر منهم لأنّ الصدمة قد عقدت لهم لسانهم فباتوا غير قادرين حتى على التعليق، وكأنّ ما حدث لا يستهدف لبنان الدولة والسيادة والدستور.

أعتذر من تأكيدنا المتكرّر لكل سائح أنّ لبنان هو بلد حضاري ديموقراطي، يضاهي بلدان المنطقة في ترسّخه بالديموقراطية الحقيقيّة. لقد بات من الصعب ان نستعمل هذا التوصيف بعدما ارتكبنا خطيئة التمديد، في حين لم تقم ايّ من العراق او مصر، ليبيا أو حتى باكستان بذلك على رغم تردّي الأوضاع الامنيّة، فما المبرّر الذي سنعطيه بعد لما قمنا به؟

كما أعتذر من الأخوان في الخليج وكنت حاولت إقناعهم بأنه من غير الصحيح أنّ الوضع الأمني خطير في لبنان كما يصوّرونه، وأنّ كلّ حوادث الخطف في لبنان منذ الاستقلال وليومنا هذا، لا تتعدّى حوادث خطف يوم واحد في بعض البلدان التي يسمحون لرعاياهم بزيارتها.

أعتذر من كلّ مغترب كان ينتظر الفرصة السانحة للتغيير، للإحساس بشعور الإنتماء والمواطنة، لقد خذلناكم مجدداً، كما خذلناكم سابقاً في كلّ مفصل، يبدو ان حساباتنا الداخلية لا تراعيكم ولا تعتبركم جزءاً لا يتجزأ من هذا البلد. واليوم نطلب منكم ان لا تزورونا ولو بالسنة مرّة حرام، لأننا في وضع خطير يمنعنا من إجراء الانتخابات.

أعتذر من كلّ من اعتقد ان البلد في حال انقسام، فقد اثبت التوافق على التمديد أن البلد في حال وفاق ووئام عام، وأنه متى تلاقت المصالح تسقط كلّ مخاوف الفتنة والتقسيم، وكم كنت اتمنّى ان نشهد مثل هذا التوافق الجميل على ما يمسّ حياة المواطن في لقمة عيشه وفرصة عمله وبحبوحته.

أعتذر من كلّ هؤلاء، لأنّ ما وقع قد وقع، ولأن التاريخ سجل واقعة سوداء في تاريخ لبنان القديم والمعاصر، ولأنّ الخوف اليوم هو من أن يتحول كلّ تخوّف امني الى ذريعة للانقلاب على الدستور، والأسوأ هو أننا نحتاج الى سنوات طويلة قادمة لرأب صدع ما قمنا به من تشوّهات في نظامنا ودستورنا.

فلكلّ ذلك اعتذر… ولكنني اخيراً أطلب الاعتذار من زملائي واصدقائي في الهيئات الاقتصادية الذين حمّلوا حكومة الميقاتي الويلات ووعدوا شعب لبنان بالمنّ والسلوى بعد استقالة الحكومة التي أطلقوا عليها تسمية الحكومة المشؤومة. هل لي أن اعرف تقويم أحبائي وزملائي في الهيئات بالنسبة إلى قانون يمدّد للمجلس النيابي سبعة عشر شهراً وأسبابه الموجبة وأثره على اقتصاد وطني العظيم.

شاهد أيضاً

“النصرة” تهدد حزب الله: معركتنا في لبنان لم تبدأ بعد

  إكس خبر- أعلن زعيم “جبهة النصرة” أبو محمد الجولاني في مقابلة صوتية مسجّلة بثت …

اسرائيل تعتدي على فلسطينيين في المسجد الاقصى

  إكس خبر- اندلعت صباح اليوم مواجهات في باحة المسجد الأقصى حيث دخل شرطيون إسرائيليون …