1) انها تشطر سورية في قلبها و تعزل مركز الثقل الاستراتيجي السياسي للدولة ( دمشق ) عن مركز الثقل الاستراتيجي الاقتصادي لها (حلب ) و تقطع اتصال العاصمة بالمنفذ البحري لللدولة على ساحل المتوسط بما يمكن حصارها و اسقاطها عندما تتوفر القوى اللازمة .
2) انها تنشئ قاعدة تلقي و مدخل لكل الدعم و الاسناد الخارجي عبر شمال لبنان و من خلال خطوط امداد قصيرة لا تتجاوز ال 60 كلم ( مسافة تقطع سيرا على الاقدام باقل من ليل او نهار ، و باقل من ساعتين بالاليات ) ما يضمن الدفق العسكري و اللوجستي ( عديد و عتاد ) لتغذية نار العدوان على سورية بالحد الادنى من الجهد .
3) انها تمكن من امداد ما يسمونه “ثورة ” بالتعزيز اللازم من المقاتلين السوريين كونها تعتبر احدى المناطق السورية الثلاث الاكبر من حيث السكان ، كما انها تؤثر من وجه آخر على الجيش العربي السوري من هذه الجهة كون سكانها يشكلون احد الروافد الرئيسية الكبرى لعديد الجيش .
4) انها تحرم الجيش العربي السوري من كثير من قواعده العملانية و اللوجستية البالغة الاهمية التي انشئت فيها بسبب موقعها الجغرافي في وسط البلاد.و في المقابل تمكن الخارجين على الدولة من الاستفادة من تلك القواعد لتغذية العدوان على سورية .
5) انها تشكل ورقة احتياطية تلعب خدمة لتقسيم سورية اذا رأى المخطط ان اسقاطها كلها متعذرا و ان التقسيم افضل الحلول المتاحة ، لانه سيكون عندها بحاجة الى ربط منطقة الوسط السوري ( احدى دويلات التقسيم المفترضة) بالبحر عبر الشمال اللبناني وصولا الى طرابلس .
6) انها تمكن من قطع احد خطوط الامداداللوجستي الرئيسية للمقاومة في لبنان عبر سورية بما يمكن من محاصرتها لاحقا في حال النجاح بقطع الشرايين الاخرى .
هذه الخصائص جعلت المتابعين لما يجري في سورية من ذوي الخبرة الاستراتيجية و العسكرية يقولون ببساطة ان حمص و منطقتها تحدد المسار العام للاحداث في سورية ، و من يمسكها يتحكم باتجاه الميدان اولا و بالمسار السياسي ثانيا . و من اجل ذلك شاهدنا كيف ان العدوان ضخ الى حمص ذاك الجمع الكثيف من المسلحين حتى وصل مجمل العدد الى ما كاد يلامس ربع ما تم تجنيده في كل سورية تحت عنوان ما اسمي ثورة ( 35 الف مسلح من اصل 170 ) تمركز في مدينة حمص وحدها منهم ما يربو على ال 11 الف مسلح من سوريين و غير سوريين ، زودوا بخبرات عسكرية اجنبية من اروبية و اسرائيلية و خليجية .
لقد ادركت القيادة السورية اهمية منطقة حمص و مخاطر افلاتها من قبضة الدولة ، كما انها وقفت على مخاطر الانزلاق الى افخاخ نصبت لها هناك بحيث ظهر جليا ان التساهل في الامر قاتل كما ان الانفعال و ردة الفعل الدفاعية غير المدروسة محفوفة بعظيم المخاطر . و لذلك وضعت الخطة الدفاعية عن حمص و منطقتها بحيث تحول ما امكن دون تحقيق العدوان لاهدافه في المنطقة ، عبر استراتيجية قامت على اركان اربعة اولها ثبات القوى العسكرية السورية ما امكن في اي نقطة او موقع داخل المنطقة ، و الثاني منع تشكل المنطقة او الجبهة المعادية المتراصة حول حمص ، و الثالث عزل المنطقة عن لبنان بالقدر المستطاع ، و اخيرا التطهير و التنظيف عبر سياسة القضم و الوثبات القصيرة المدروسة .و بدأ العمل بهذه الخطة منذ سنتين بتنظيف بابا عمرو .
و الان نستطيع القول و بعد نجاح الجيش العربي السوري في تطهير كامل مدينة حمص و جعلها آمنة من غير سلاح ارهابي ، اثر تفاهم شكل مخرجا لمن تبقى للمسلحين يتيح لهم مغادرة المدينة و النجاة بابدانهم بعد ان خسروا المعركة فيها ، و بعد ان وضعهم الضغط العسكري الذي مارسه الجيش بحذاقة هناك ، و ضعهم بين خيارات اربعة : اما القتل او الفرار او التسليم او الخروج بهذه الطريقة التي تحفظهم جسدا و تسقطهم مهمة و وظيفة ، فاختاروا الحل الاخير لانه الافضل لهم ، و كان حل يناسب الجيش العربي السوري ايضا لان فيه تحقيق لاهدافه بتطهير المدينة من غير حاجة الى ثمن اضافي يدفع من دماء العسكريين ، كما انه يوفر فرصة تزويد مناطق سورية اخرى بالمؤمن بعد ان حاصرها الارهابيون و استمروا في التضييق عليها منذ سنتين تقريبا ( نبل و الزهراء ).
بعد هذا نستطيع القول ان سورية انتصرت ايما انتصار في معركتها الدفاعية التي نفذتها بسياسة النفس الطويل و الاصرار الدؤوب على تنفيذ المهمة بصرف النظر عن الثمن الذي يستوجبه التنفيذ ، و لم يكن في الامر تسوية او مصالحة في حمص لان عناصر هذا الشأن غير متحققة في الواقع ، و انما نصف ما حصل بانه مخرج صنع الجيش العربي السوري عناصره ، فمكنه من تحقيق اهدافه بتطهير المدينة من غير اثمان اضافية ، و هو مخرج ما كان ليحصل لو لم ينجح الجيش خلال السنتين الماضيتين في ما قام به من عمليات عسكرية ادت الى اخراج اكثر من عشرة الاف مسلح من ميدان حمص قتلا او اصابة او استسلاما او فرارا . بمعنى ان هذا المخرج جاء تتويجا للعمل العسكري الذي نفذ و لم يكن حلا تصالحيا كما يظن . مخرج وجه للمعنيين بما يجري في سورية رسائل هامة تمكنهم من الاستفادة منها اذا شاؤوا ، و تكون خسارتهم مضاعفة ان اهملوا المضمون ، رسائل نرى بعضها كما يلي :
أ. ان المنطقة الاخطر و الاهم بالنسبة للعدوان ، اسقطت من يده و ان سير المواجهة الدفاعية بعد حمص سيكون بوتيرة اسرع مما قبلها خاصة بعد عزل لبنان و اقفال طرق امداد المسلحين عبره ، و بعد تعطيل كل العناصر التي ذكرت اعلاه في سياق الحديث من مزايا منطقة حمص .
ب. ان طبيعة الحرب تغيرت الان ، و لا يمكن لعاقل او خبير ان يتصور ان بامكان الارهابيين تعويض شيء مما خسروه في حمص و منطقتها ، و ان المعارك التي ستقع في سياق الحرب الكونية التي شنت على سورية هي معارك محكومة بنهايات مؤكدة تمثل هزيمة للمسلحين الذين عليهم التعجيل في الخروج من الميدان للنجاة قبل فوات الاوان .
ت. ان الجيش العربي السوري يملك القدرة اللازمة لوضع من يواجهه امام انموذج القصير و يبرود ( القتال و القتل و تنظيف الارض بالقوة ) او نموذج حمص ( الاخلاء بالاتفاق و النجاة بالابدان ) . و يبقى للمسلحين ان يختاروا الخروج من الميدان باي من هذين النموذجين .
ث. ان سورية تدافع عن نفسها وان غايتها هي استعادة الامن و الاستقرار باقل الاثمان الممكنة ، فان توصلت الى ذلك مع حجب الدماء و حماية الممتلكات فانها تكون سعيدة في ذلك و لا تتأخر عن سلوك ما يحققه ، و تكون سورية قد اجهضت بهذا كل المناورات الغربية التي تذرعت بمسائل انسانية و طالبت بفك الحصار عن حمص بما يشكل خدعة موصوفة .
ج. ان الوقت و كلفة العمل لايثنيا سورية عن متابعة المهمة و ان حمص تقدم الدليل على الصبر و الارادة السورية التي ادت بعد سنتين من العمل العسكري الحثيث من تحقيق المبتغى .
ح. ان معركة حمص و ما سبقها في القلمون و الغوطة الدمشقية كتبت الصفحات الاولى في فصل نهاية الازمة السورية التي سيؤرخ لها انطلاقا من هذه الوقائع .
و اخيرا ان ما جرى في حمص يؤكد مرة اخرى ان العدوان على سورية اخفق و عليه التراجع . و بسقوط المسلحين في حمص سقطت كل الاهداف التي رما العدوان الى تحقيقها من وجودهم فيها و بالتالي لن تكون حرب الاستنزاف التي انقلبت قيادة العدوان مؤخرا اليها مخرجا من الهزيمة حتى و لو شكلت طريقا للانتقام ، و اذا كان اوباما يضحك بخبث قائلا بانه تمكن من تدمير سورية ، فان سورية ترد بثقة ، ان المهم في الحروب هو من يفرض ارادته ، و سورية فرضت ارادتها و كسرت ارادة العدوان و ما دمر يمكن تعميره ، بعد ان ثبتت سورية في موقعها الاستراتيجي ، فانها تتحضر للعودة الى لعب دورها الاقليمي الفاعل بعد النجاح المرتقب في العملية السياسية و الانتخابات الرئاسية المقبلة .
موقع خبر xkhabar.com