هكذا هي الحياة، ثانية واحدة تكفي لتغيير مسار كامل، لتحقيق حلم، لتذوّق سعادة، لاختبار فرح أو… لتحطيم حلم وسعادة وفرح وعمر بكامله. على انغام اغنية أم كلثوم “إنت عمري” ينطلق الشريط الروائي الأول للمخرجة لارا سابا والمنتجة وكاتبة السيناريو نبال عرقجي. على انغام اغنية “إنت عمري” نستمتع بنزهة مسائية جميلة مع زوجين في سيارة تتهادى على كورنيش بيروت. “قد إيه من عمري قبلك راح” و… بثوان قليلة “راح” عمرنا من “النقزة” ونحن نتابع حادث الاصطدام القوي الذي “راح” فيه راكبا السيارة الاولى وراكب السيارة الثانية المنطلقة بسرعة جنونية. ثوان قليلة كانت كافية لتنهي حياتهم ولتطلق حوادث الشريط بشكل درامي يدخلنا فوراً على خط ثلاث قصص تكفي كل واحدة منها لتكون نواة فيلم مستقل.
ثلاث قصص تجتمع حول شعار واحد: المأساة الانسانية لا طبقة اجتماعية لها، وهي قد تصيب الغني والفقير والمتوسط الحال في الثانية عينها، فتجعل الجميع متساوين في الخسارة والوجع. ثلاثة مصائر انسانية في تركيبة لا تراعي زمنية الحوادث، وبنية على خطوط عدة قد تكون سابقة في فيلم لبناني، لكن ما يشفع لبنية الشريط هو أن تجربة “الوحي الغربي” كانت ناجحة لأنها محبوكة جيداً بشكل مقنع كقطع بازل تتركب لتظهر لنا تباعاً الصورة بشكل واضح. هذه الشخصيات من طبقات اجتماعية مختلفة (غنية، متوسطة وفقيرة) لا تلتقي ولا رابط يجمعها، ورغم ذلك جعل الفيلم طرقها تتقاطع بفضل حدث مصيري واحد سيتضح منطقه لاحقا. الحدث هو حادث اصطدام السيارتين على كورنيش بيروت. بيروت المدينة التي تجمع التناقضات الاجتماعية والثقافية والاقتصادية كمعظم مدن العالم، تجمع مصائر ثلاثة اشخاص تتقاطع طرقهم لثوان قليلة لكنها اكثر من كافية لتغيير حياتهم الى الابد. بعد الحادث تصل الطالبة الجامعية نور (غيدا نوري) الى المستشفى منهارة لوفاة والديها. القدر لم يكفه حرمانها عائلتها المتوسطة الحال، بل يهددها بخسارة جامعتها وسقف بيتها وجدتها (ليلى حكيم) المقعدة، إلا إذا…!
الشخصية الثانية هي انديا (كارول الحاج) التي انعمت عليها الحياة بكل شيء، من ثراء وبيت جميل مطلّ على بحر بيروت وحب عاصف مع زوجها مالك (شربل زيادة). سعادة لا يعكرها سوى رغبتها في انجاب طفل. طفل تحبه وترعاه وتخاف عليه كما لم تفعل يوماً والدة الشخصية الثالثة الفتى ابن الـ 12 عاماً مروان (علاء حمّود) الذي يعيش الخوف مع أم فقيرة وعاهرة ومدمنة كحول تدفعه دفعاً في احضان زبائنها الذين يغتصبونه برضاها. مثل نور التي اضطرت الى الهرب من شبح العوز بالانحراف وبيع جسدها، يجبر مروان على الهرب والانحراف وتعاطي المخدرات والسرقة، حتى سرقة انديا التي لم تكن تحمل يومها مالاً في حقيبتها فحسب، بل أيضاً ولاول مرة جنيناً في احشائها. وقوعها على الارض اثناء السرقة هو الشرارة التي ستوقع لاحقاً ثلاثة ارواح “راحوا” بثانية وهم يستمعون الى “قد ايه من عمري قبلك راح” على كورنيش بيروت ليلاً. بيروت التي تتعرى بمجتمعاتها امامنا، والتي تشبه نفسها وغيرها من بعض المدن كذلك، فالشريط يجمع في الوقت عينه خصوصية بيروتية تتمثل في التناقضات الاجتماعية الصادمة فعلاً والتي لا يفصل بعضها عن البعض سوى مسافة شارع واحد احياناً، وفي الوقت عينه تصلح موضوعات المخدرات والدعارة والتحرش الجنسي بالاطفال التي تناولها الشريط لأن تكون عالمية وتجري في اي مكان وزمان. ايضاً من نقاط قوة الفيلم أنه لم يسع الى تطوير رابط آخر باستثناء الحادث والعاصمة والطبيب كريم (شادي حداد) بين تلك الشخصيات، فرغم أن بعض الاقلام فضّلت لو أن السيناريو خلق فرص تقارب اخرى بين الشخصيات الثلاث مثل اللقاء بين انديا والفتى مروان الذي ظل عرضياً من دون أن يتم تطويره، إلا أنني ارى الخيار المتبع من لارا سابا ونبال عرقجي كان الافضل لأن القصة كلها قصة ثوان والفكرة تدور حول اهمية هذا التقاطع الهامشي جداً لطرق شخصيات لا تعرف بعضها البعض، ورغم ذلك استطاع ان يقلب حياتها رأساً على عقب. أيضاً لا بد من الاشادة بتقنية لارا سابا الاخراجية اللافتة وصورتها الجميلة والادارة الفنية التي اهتمت بالتفاصيل والاكسسوارات والازياء (وخصوصاً ازياء كارول الحاج الجميلة). بدورها المواقف ابتعدت عن اجواء الميلودراما المبالغة ورغم ان بعضها كان متوقعاً، إلا ان بعضها الآخر جاء مفاجئاً وجريئاً (التحرش الجنسي بالفتى مروان).
وهذا ايضاً ما يشفع للمعالجة التي جاءت كليشيه بعض الشيء وللحوارات التي افتقدت الطبيعية والعفوية. التمثيل بدا متفاوتاً بين ممتاز وجيد وعادي، وقد تألق بشكل خاص الفتى علاء حمّود القادم فعلاً من وسط اجتماعي متواضع جداً وهو لم يسبق له الوقوف امام الكاميرا من قبل، ورغم ذلك بدا صادقاً وحقيقياً في دور صعب استحق عنه الفوز بجائزة أفضل ممثل في المهرجان الدولي للسينما المستقلة في بروكسيل. كارول الحاج وشادي حداد مؤثران ومقنعان تماماً، وغيدا نوري بدت عادية في شخصية كانت تستحق معالجة أعمق. تشارك في الفيلم ايضاً الكبيرة ليلى حكيم التي ندعو لها بطول العمر في دور صعب وصامت، وماريو باسيل بشخصية مختلفة، وطوني ابو جودة في شخصية وحضور عاديين، إضافة الى اطلالة للمخرج بهيج حجيج والاعلامية جوزيان بولس.
موقع خبر xkhabar.com