على بشري. أما العماد ميشال عون والنائب سليمان فرنجية ومن معهما، فيتكلون على سلاح صنع عام 1934، كان فعالاً حين استخدم عام 1972، ولم يكتشف البشراويون بعد سبباً يدفعهم إلى انتخابه، ما لم يكونوا من آل طوق
غسان سعود
لا يكاد زائر بشري يصل الى المدينة حتى يتبدّد الضباب الذي رافقه ساعة في الصعود الجبليّ، ولا يلبث الأهالي أن يبدّدوا، بدورهم، أكوام الأوهام في رؤوس زوارهم، مبينين انطلاقاً من هذا القضاء، الفوارق العشرية وأكثر بين قوى 14 آذار وقوى 8 آذار. خلافاً لمناطق نفوذ التيار الوطني الحر، كبعبدا مثلاً، لم تخض القوات في السنوات الخمس الماضية معارك في مجلسي الوزراء والإنماء والإعمار لشق أتوسترادات جديدة أو توسيع الطرقات الحالية ورصف جانبيها وإضاءتها وتعبيدها. ولم توفر لمستشفى بشري الحكومي ولو ثلث ما وفره النواب البعبداويون لمستشفى بعبدا. ولم تسع عند وزير السياحة فادي عبود، كما فعل نواب عون الكسروانيون، لإعادة الأرز إلى خريطة السياحة المربحة، صيفاً وشتاء. ولم تستفد من علاقتها بحليفها المستقبلي يوم كانت وزارة التربية في قبضته لنقل أحد فروع الجامعة اللبنانية في طرابلس، كالفنون الجميلة مثلاً، إلى الرحاب البشراوية. ولم تجيّر علاقتها برئيس جمعية الصناعيين الحالي نعمة افرام لاستحداث مصانع في المنطقة. ولم يفدها توليها حقيبة الثقافة في الحكومة السابقة لفتح مكتبة عامة واحدة مثلاً في قراها النائية.
تكتفي القوات بحصص الزفت النيابية لترقيع طريق هنا وتزيين آخر، بحسب مصالح نائبيها ستريدا جعجع وإيلي كيروز الخاصة وعلاقاتهما البشراوية العامة. وتحلُّ المساعدات الاستشفائية محل الطبابة المجانية العامة، والرحلات القواتية من شتى المناطق إلى الثلج البشراويّ، مفضلة نقل طلاب بشري إلى سكن جامعي في جبل لبنان «تحت سيطرتها» على نقل الجامعة إليهم، مبقية الشركات الأمنية متنفساً وظيفياً أوحد، والحديث البشراويّ التقليديّ عن الموارنة وأمجادهم مادة تثقيفية وحيدة. لا مكان عموماً للخدمة العامة، ولا مكان خصوصاً لخدمة من لا يخدمون القوات. أن تخفض فاتورة الهاتف الخلوي شيء وأن تدفعها شيء آخر.
وبدل اكتفاء القوات بالتأييد الشعبي البشراوي العارم، كالنائب سليمان فرنجية في زغرتا مثلاً، تلعب لعبة حزب الله في بعض أقضية الجنوب، فتنشئ في كل بلدة مجموعة يراوح عديد عناصرها بين ستة وتسعة ناشطين، لا علاقة لاختيارهم بحساسيات البلدات العائلية وغيرها، يتركز اهتمامها على متابعة أوضاع القوات اللبنانية فقط وتعزيز نفوذها. وتوازيهم في العمل مجموعة أخرى تكون أقرب إلى المجلس البلدي في مراعاتها التوازنات العائلية وشمولية التمثيل والتنسيق مع فعاليات القرى، سواء التربويون أو الزراعيون وغيرهم. وتنشط هذه المجموعات في القرى المتاخمة لمدينة بشري أكثر بكثير مما تنشط في بشري نفسها، لتغدو القوات أقوى في قرى القضاء نفسه مما هي عليه في المدينة. ويذهب رئيس حزب القوات اللبنانية سمير جعجع في اجتذابه القرويين حدّ الإعداد في الانتخابات المقبلة لتحرير أحد مقعدي القضاء من الهيمنة المدينية، فتحتفظ ستريدا بمقعدها ويذهب مقعد كيروز لمرشح قواتيّ آخر من خارج مدينة بشري، فيما يعجز فرنجية، مثلاً، عن تحرير نفسه انتخابياً من ترشيحي النائبين سليم كرم واسطفان الدويهي، مبقياً مقاعد قضاء زغرتا التمثيلية الثلاثة في قبضة المدينة.
وفي سياق المقارنة، يمكن التوقف طويلاً عند حركة القوات اللبنانية في قضاء زغرتا رغم دم الزغرتاويين المكبّل ليديها، وحركة المردة والتيار الوطني الحر وغيرهما في قضاء بشري. ثمة فريق يبادر، يلهث خلف أصغر مختار، يطرق على طريقة «شهود يهوه» الأبواب الموصدة من دون اكتراث باللافتات التي تحذرهم من قرع الباب، ويعرضون خدماتهم ومحبتهم وبضاعتهم، مع تنزيلات في الأسعار. وفريق آخر لا يخجل نوابه من استطلاعات الرأي التي تظهر القوات اللبنانية قوة ثالثة في المتن الشماليّ، بعد التيار الوطني الحر والكتائب وقبل الطاشناق والنائب ميشال المر. والقوة الثانية في كسروان بعد التيار الوطني الحر، قبل الكتائب وكل النواب السابقين.
في بشري لا يتحرك حجر أو يرف جفن بشر إلا وتأخذ القوات علماً، تمهيداً للتصرف. ولا تكاد تتراكم الشكاوى بحق مسؤول هنا أو مستفيد من نفوذه هناك، حتى يصدر قرار سريع بإعفائه من منصبه. وتكر على نحو يومي سبحة النشاطات: زيارات أسبوعية لمكتب الطلاب الجامعيين في بشري وجوارها واجتماعات دورية في محيط جامعاتهم ومكاتب القوات. توزيع هدايا للأطفال. منح تعليمية للجامعيين. ملاعب رياضية. سكن طالبي للجامعيين. وتعبئة يومية على مدار العام تبقي الخزان القواتيّ جاهزاً للتدخل حين تستدعيه الحاجة. لكن نقطة قوة القوات ليست في هذه جميعها ولا في فرص العمل وشبكة الخدمات الشخصية المرتبطة بالنائبة ستريدا جعجع بل في مكان آخر. قوة القوات من ضعف خصومها: فبدل أن تنشط ماكينة الخصوم لشغل القوات في ملعبها عبر رئيس بلدية من هنا وتجمع شبابي من هناك وبينهما ناد رياضي وحزب صغير ومجموعة انشقاقات مصطنعة وغيرها، تماماً كما تفعل القوات بخصومها في زغرتا والكورة وكسروان وبعبدا وجزين وغيرهم، يكتفي هؤلاء بدعم بقايا القمع السوري للمزاج الشعبي البشراوي ممثلاً بالنائب السابق جبران طوق.
حين يسأل بشراوي عمّا يحببه بالقوات اللبنانية، يجيب ثلاثة من كل خمسة: النائب السابق جبران طوق. لا يمكن الالتفاف على هؤلاء الجبليين من شباك إنماء المنطقة، كسؤالهم مثلاً عمّا قدمته علاقات القوات الحكومية والإقليمية للبنية التحتية في بشري، لتحريضهم على القوات، أو سؤالهم عن مشاريع القوات السياحية في بشري والبرادات الزراعية والطرقات وغيرها. سبق طوق القوات إلى حكم المنطقة من 1972 حتى 2005: 33 عاماً، تستثنى منها أربع سنوات بين عامي 1992 و1996. أياً كان القليل الذي تقدمه القوات لبشري منذ عام 2005 حتى اليوم، يبقى أكثر، وبكثير، مما قدمه طوق طوالها.
كان يمكن الرجل في ظل النفوذ السوري ودعم السلطات اللبنانية المطلق، تحويل بشري إمارة خاصة به على غرار إمارة المر المتنية، كان يمكنه تجديد الزفت في بنيتها التحتية على غرار فرنجية في زغرتا، وكان يمكنه أقله وضع البشراويين في سلم أولوياته التوظيفية في مؤسساته الخاصة. إلا أن شيئاً من ذلك لم يحصل. اكتفى بمردود الالتفاف العائليّ حوله وغياب المنافسة للحفاظ على كرسيه. لا تجربة النائب بطرس حرب البترونية عنت له شيئاً ولا قربه المفترض من النائب فرنجية. ليست بشري قواتية بالفطرة، يقول أحد الشباب: «بشري قوات لأن الآخرين لم يعرضوا شيئاً سياسياً أو إنمائياً أو خدماتياً آخر عليها، رغم وفرة الطلب». كان في بشري مستشفى كبير، يقول الأهالي، فصغر في العهد الطوقيّ. الصيدلية أقفلت. طوق كرس إبقاء الحفر الصحية محل شبكات الصرف الصحيّ. وقبل أن تقوم قيامة فاريا السياحية، كان لبشري دعاية لم تجد بعد انتهاء الحرب من يستغلها. ويكاد يكون جبران طوق السياسي الوحيد الذي لم يسع حتى إلى إنشاء أو تأهيل أوتوستراد يخلد بلوحة صغيرة ذكراه. واللافت أن طوق لا ينكر تقصيره الإنمائي، فيتجنب نقد القوات، معتبراً أن «كافة قادة المنطقة السياسيين يتحملون مسؤولية الإهمال المزمن اللاحق ببشري، وإن كان المأخذ الأكبر يقع على عاتق القوات»، محملاً «تحفظ الوصاية السورية على إنماء بشرّي باعتبارها منطقة قواتية» مسؤولية تقصيره. وكما في الموقف الإنمائي، في الموقف السياسي أيضاً، يكتفي طوق بإبداء تمايزه عن غيره بهدوء بعيد كل البعد عن الحماسة البشراوية المعروفة. ورغم كل ذلك، يرفض طوق في الثمانين من عمره إفساح المجال أمام غيره للحلول محله في خوض مواجهة جدية ضد القوات، يُحضر لها خطاباً سياسياً وإنمائياً وعدة مالية وإعلامية، بحيث يتقلص الفارق مع القوات بدل اتساعه أكثر فأكثر. خصوصاً أن الرجل قدم خلال مسيرته الطويلة كل ما يمكنه تقديمه، ولا يمكن الرهان على تخبئته مفاجآت كاريزماتية أو ثورة إنمائية حتى رمق حياته السياسية الأخير.
الصوت الماروني «التفضيلي»
في حال اعتماد القانون الأرثوذكسي، فستكتشف قوى 8 آذار مضاعفات إهمالها قضاءً برمته بحجة ميل موازين القوى فيه لمصلحة خصومها. فبفضل بشري وموارنة الكورة المهملين من قوى 8 آذار وغيرهم، تضمن القوات التوازن في المعادلة المارونية بينها وبين حلفائها من جهة والتيار الوطني الحر وحلفائه من جهة أخرى. وتشير نتائج انتخابات 2009 إلى حصول القوات والكتائب وميشال معوض في زغرتا، وبطرس حرب في البترون، وهادي حبيش في عكار، ورئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان ومنسق الأمانة العامة لقوى 14 آذار فارس سعيد في جبيل، ومنصور البون وفريد هيكل الخازن وفارس بويز في كسروان وسركيس سركيس في المتن، ورؤساء بلديات بعبدا وعدة آخرين على 173 ألفا و623 صوتا مارونيا، مقابل حصول التيار الوطني الحر والنائب سليمان فرنجية على 175 ألفا و406 أصوات فقط. وعليه تتقاسم بحسب النتائج السابقة القوات والتيار الوطني الحر المقاعد المارونية في حال تطبيق القانون الأرثوذكسي على النتائج السابقة. إلا أن القوات تكثف عملها في بشري ومناطق أخرى أكثر فأكثر لتميل الكفة المارونية إليها في حال اعتماد القانون الأرثوذكسي. فبفضل هذا القانون يتمدد تأثير الصوت القواتيّ في بشري باتجاهات أخرى ليغدو مؤثراً في المتن كما في بعبدا وكسروان وغيرها.
موقع خبر xkhabar.com